الأتراك لم يخونوا العرب لحظة واحدة منذ 96 عاما

محمد الجوادي

نعرف أن الخيانة العربية كانت من الأسباب الرئيسة لانتهاء الدولة العثمانية وما عانته تركيا من هذا الموقف الذي لم يكن له أي مبرر إلا الرغبة المراهقة في قبول الخيانة المؤذية لهم رغم أن السم كان واضحا ولم يكن خفيا. ومع هذا فإن الأتراك الذين أسسوا دولة جديدة باسم الجمهورية في 1923 عاشوا مع العرب حتى الآن 96 عاما يُعانون من تحرشات العرب المتكرٌرة التي لا يُمكن تفسيرها في ضوء الطب النفسي إلاٌ بنزعة جبر التكرار المسيطرة على كثير منهم، وفي المقابل فإن الأتراك لم يخونوا العرب لحظة واحدة طيلة هذه السنوات الستة والتسعين (1923 ـ 2019) بل على العكس من هذا فإن تركيا وقفت مع العرب ومع مصر بالذات مواقف بطولية تُكتبُ بأحرُف من نور، ولعلٌ أبرز هذه المواقف هو موقف تركيا في حرب 1973 وهو موقف حقٌق لمصر (والعرب) ما لم تكن تحلم به من أي حليف أو صديق فما بالك بأن هذا الموقف النبيل جاء من دولة عانت من الفتور والنفور المتكررين و اللذين كانت ثورة 1952 قد جعلتهما الطابعين المسيطرين على العلاقات التركية المصرية.

سأبدأ بمُقاربة بسيطة تكشف عن مقارنة ذكية تثبت عظمة الدور التركي فأذكر أنٌنا كنا نقرأ ما يتلمظ به الأستاذ هيكل عن سفر الرئيس أو المشير عامر أو سفره معهما إلى موسكو فنجد الإشارة إلى أن الرحلة طالت مسافتها وطال زمنها  لتفادي المرور فوق الأراضي التركية وذلك بسبب أن الطيران السوفييتي لا يمر في الأجواء التركية بسبب أنها عضو في حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)  ما بالنا بالمفاجأة المذهلة التي حدثت في حرب أكتوبر 1973 حين سمحت تركيا للجسر الجوي السوفييتي الذي كان ينقل السلاح إلى مصر والعرب بالمرور في الأجواء الجوية التركية (التي لم يكن هناك اتفاقات مرور خاصة بها) وذلك إسعافا للقوات المصرية والعربية المحاربة في حرب أكتوبر 1973 وذلك على الرغم من عضوية تركيا في حلف الأطلنطي الذي تقوده أمريكا التي كانت تُحارب مع إسرائيل!

هل يتصوٌر القارئ الحقيقة التاريخية التي لا يُمكن إنكارها (وإن كان قد تم إخفاؤها عمدا من الجانبين) وهي أن حوالي ألف طائرة سوفييتية قد عبرت الأجواء الجوية التركية إلى القوات العربية المحاربة وقد حملت على متنها 15 ألف طن من الأسلحة والمُعدٌات العسكرية لدعم الجبهة المصرية المحاربة في 1973. وذلك في مواجهة مع الجسر الأمريكي لإسرائيل الذي نقل أكثر من 22 ألف طن من الإمدادات العسكرية ما بين 14 أكتوبر و14 نوفمبر 1973. ليس هذا فحسب بل إن تركيا التي هي عضو في حلف الأطلنطي وملتزمة بسياسته رفضت أن تستخدم أجواءها الجوية لعبور طائرات الجسر الجوي الأمريكي إلى إسرائيل، وكانت النتيجة أن زادت ساعات الطيران المطلوبة لهذا الجسر، وما ترتٌب على ذلك من ضرورة هبوط هذه الطائرات للتزود بالوقود بعد أن زادت ساعات طيرانها على المعدلات المعروفة سلفا. أكثر من هذا فإن تركيا التي كانت تحكمها حكومة منتخبة رفضت استخدام قاعدة انجرليك التركية التابعة لحلف الأطلنطي في أي دعم لإسرائيل ضد مصر أثناء الحرب.

وحين واجهت الدول العربية حملة دولية بسبب قرار حظر تصدير النفط لأمريكا فإن تركيا أعلنت بكل وضوح أنها تقف مع الحق العربي في منع تصدير النفط، وأكثر من هذا فإنه عندما استطاع الرئيس السادات الوصول إلى اتفاقيات فض الاشتباك الأول والثاني ثم كامب ديفيد ومعاهدة السلام ولقي ما نعرفه من تعنٌت الأنظمة العربية في المزايدة عليه لدفعه بشدة وعنف للفشل (وهو التعنٌت الذي وصل إلى حد فرض عقوبات على مصر) فإن حكومة تركيا المنتخبة لم تتوان عن تأييد الرئيس السادات في كل خطواته مؤكدة على ما نادت به تركيا على مدى تاريخها من رفضها العدوان الإسرائيلي في 1967 ومطالبتها إسرائيل بالتخلي عن الأراضي التي استولت عليها بالقوة، وتأكيدها الدعوة إلى مؤتمر جنيف للسلام.

ومن الحق أن نُشير إلى ما لم تُصرٌح به الأدبيات التاريخية حتى الآن من أن الموقف التركي المؤيد على طول الخط للرئيس السادات كان سببا جوهريا من أسباب التحريض الأمريكي للانقلاب العسكري في سبتمبر 1980 على حكومة الرئيس سليمان ديميريل الذي تبادل السلطة مع مُنافسه بولنت أجاويد على مدى سنوات. ولهذا فقد تكفٌل الانقلاب العسكري في 1980 في أولى توجهاته بإعادة السفراء بين تركيا وإسرائيل.

ربما كان هذا المدخل الذي بدأت به كفيلا بأن يشير إلى عدة مظاهر لإخلاص الأتراك للعرب وقضاياهم:

ــ ففي حرب 1956 كان لحكومة عدنان مندريس دور فدائي في تنبيه الرئيس عبد الناصر إلى المؤامرة التي كانت تجهز ضده، وفضلا عن هذا فقد كان لها موقف داعم لمصر. ووصل الأمر بحكومة مندريس أنها في احتجاجها على هذا العدوان خفضت علاقتها الديبلوماسية بإسرائيل.

ــ وطيلة فترة الحروب وما بعدها كانت القواعد التركية البحرية (وغير البحرية) تستقبل تدريبات البحرية المصرية بالترحاب والكرم والعناية.

ــ وكانت تركيا من أوائل الدول الداعمة لمنظمة التحرير الفلسطينية ولكونها الممثل الشرعي لفلسطين.

ــ وكان لتركيا دورها في إقرار الأمم المتحدة لفكرة اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتميز العنصري.

ــ وفي 2006 وقفت تركيا بوضوح مع المقاومة اللبنانية ضد العدوان الإسرائيلي على الرغم من التواطؤ العربي وفي 2008 وقفت تركيا مع غزة وهو ما تكرر في 2010 و2012 و2014 و2018.

ــ وموقف تركيا من الحرب على العراق موقف مُشرٌف.

ــ نحن لا نعرف أن لتركيا منذ 1991 مشروع أنابيب السلام لتُزوٌد دول الخليج العربي بالمياه التركية عبر أنابيب طولها 6500 كيلو متر.

بقيت مفارقات سياسية قاسية تحتاج شيئا من التمهل في استيعابها:

ــ فنحن نعرف من كتب التاريخ ومن حملات الناصرية المستمرة حتى الآن أن الرئيس عبد الناصر كان ضد حلف بغداد وكان يعتبره ضد العروبة، وكان هذا الحلف يضم ثلاث دول إسلامية هي تركيا وباكستان وإيران مع بريطانيا والعراق التي هي مقر ذلك الحلف.. نعرف هذا ولكننا لا نعرف الجانب الآخر من الحقيقة وهو أن إسرائيل كانت أشدٌ هجوما على حلف بغداد من الرئيس عبد الناصر نفسه.

– نعرف أيضا أن عبد الناصر كان مع اليونان ضد تركيا في قبرص، لكن المفاجأة التي لا يعرفها الناس لأنها غُيٌبت عنهم أن إسرائيل كانت هي الأخرى مع اليونان ضد تركيا.. وهكذا اصطفٌ الرئيس عبد الناصر للمرة الثانية مع إسرائيل (بعد المرة الأولى في الموقف من حلف بغداد).

ــ في المقابل نعرف أن حكومة العسكر في تركيا اعترفت بإسرائيل في 28 مارس 1949 لكننا نتجاهل أن هذا الاعتراف كان ضروريا لأن تُصبح تركيا عضوا في مجلس أوربا وفي حلف شمال الأطلنطي الذي كان قبول تركيا فيه متوقفا على هذا الاعتراف، ومع هذا فإن عسكر تركيا لم يُعيٌنوا رئيس بعثتهم الدبلوماسية إلى إسرائيل إلٌا بعد مدة.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق