قبل قانون حماية اللغة العربية في قطر.. وبعده

معن البياري

لا شطط أبدا في القول إن أوضاع اللغة العربية في أوطانها كارثيةٌ، وهذا زعمٌ لا مبالغة فيه، ليس فقط من حيث النفوذ المهول الذي صارت عليه اللغة الإنكليزية في غير بلدٍ عربي، والفرنسية في بلاد المغرب العربي، وإنما أيضا لأن مؤسساتٍ في قطاعاتٍ عريضة، خاصةً وحكوميةً، تتعفّف عن استخدام العربية في مخاطبات موظفيها ومكاتباتهم، فتستبدلها بالإنكليزية. وذلك مع التقاء هذا الحال مع شعورٍ يشيع بأن استخدام العربية يؤشّر إلى دونيّة المستوى الثقافي، فيما الحديث بالإنكليزية، أو تطعيم العربية بمفرداتٍ وفيرةٍ منها، دليلُ رقيٍّ وتحضّر. فضلا عن هذا وذاك، تتردّى اللغة العربية بين أهلها بتسلّل العاميات الهجينة إليها، ويزداد حالُها تدهورا في غيابها شبه التام في الفنادق والبنوك والمجمعات التجارية الكبيرة. ويتذكّر صاحب هذه الكلمات أن فندقا في الخرطوم أقام فيه، وكان متواضعا إلى حدّ ما، يرحّب بنزلائه وضيوفه باللغتين، الصينية والإنكليزية، وتغيب العربية فيه.
وقد أسهب باحثون ومثقفون ومختصون وتربويون، ومشتغلون بمناهج التعليم وبالتدريس، في العقدين الأخيرين خصوصا، في الإضاءة على ما وصفوها، محقّين، محنةً كبرى تُغالبها اللغة العربية في بلادها. وطالبوا، بنيّاتٍ صادقةٍ، واستشعارا منهم بفداحة ما اعتبروها، عن حقٍّ أيَضا، مخاطر كبرى تواجهها اللغة العربية، طالبوا بتشريعاتٍ وقوانين وقراراتٍ وتعليماتٍ وإجراءاتٍ مشدّدة، يتم تنزيلها على الأرض وتجري متابعة تنفيذها، لإنقاذ اللغة العربية، ولتمكين التلاميذ والأجيال المتتابعة من التعبير السليم بها، والنطق الصحيح لها، وكتابتها خاليةً 
من الأخطاء المريعة. ولإلزام العاملين في الدعاية والإعلان باحترام العربية 

في اللوحات الإرشادية والإشهارية والمواد الترويجية والتسويقية في وسائل الإعلام. وفي البال أن حال لغة الضاد في وسائط الإعلام، المرئية والإلكترونية خصوصا، مقلقٌ ومخجل، وأن مستوى أغلبية العاملين والمشتغلين في هذه المؤسسات باللغة العربية ضعيفٌ ومعيب. 

وإذا كان مثقفون وازنون (أدونيس ومحمد بنّيس وغيرهما) قد أشهروا مخاوفَ من احتمال “انقراض” اللغة العربية، ربما بشيءٍ من المبالغة، وبالنظر إلى أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) جاءت، في تقارير لها، على احتمال انقراض عدّة لغات، فإنه مع التسليم بأن هذا الاحتمال مستبعدٌ بشأن العربية، إلا أنه يحسُن أن ينظر مثقفو الأمة ومفكّروها وأدباؤها، وقبلهم وبعدهم، أهل القيادة والسلطة، إلى حماية اللغة العربية أمرا شديد الإلحاح، وقضيةً وطنيةً وأمنيةً كبرى، ومسألةً سياديةً تماما.
وبشأن حال اللغة العربية في بلدان الخليج العربي الست، فإنك لست في حاجةٍ إلى إجهاد نفسك في تأكيد حقيقة أنه بالغ السوء، حيث تُغالب العربية أوضاعا مريعةً من الركاكة والاستهداف والغياب والتغييب، لأسبابٍ وفيرةٍ، منها الاختلال الفادح في التركيبة السكانية في هذه البلدان، حيث عدد الآسيويين (من الهند وباكستان وبنغلادش مثلا) يزيد في دولة الإمارات (مثلا) عن نصف عدد السكان عموما، فضلا عن الهوس المهول باللغة الإنكليزية، وذيوع الشعور بدونية اللغة العربية. وإلى الأمريْن، ثمّة الضعف الكبير في مستويات كثيرين من مدرّسي اللغة العربية في المدارس، ما ينعكس على مستوى التلاميذ، كما كشفت عن ذلك دراساتٌ، أجري بعضُها في دولة الإمارات التي تُصنّف العربيةُ فيها لغةً رابعةً (!) من حيث الاستخدام. وقد كتبت الأستاذة الجامعية الإماراتية، فاطمة البريكي، إن معلمين ومعلماتٍ في بلدها لا يتقنون التذكير والتأنيث والتعريف في الكتابة. وذكرت الرئيسة السابقة للجنة تأليف مناهج اللغة العربية في وزارة التربية والتعليم الإماراتية، والأستاذة الجامعية، لطيفة النجار، إن “الضعف المريع بين الطلاب والمعلمين في اللغة العربية مصيبة كبرى”. ونشرت الباحثة الإماراتية، منى البحر، أن 90% من الأطفال الإماراتيين يعانون من صعوبةٍ في نطق الحروف العربية، وأن 95% يعانون من محدودية مفرداتهم العربية، بسبب تعاملهم مع الخدم. وأظهر مسحٌ أجرته وزارة التربية والتعليم في الإمارات، في العام 2003، على عينةٍ من 280 تلميذا انتقلوا إلى الصف الرابع الابتدائي، أن 170 منهم أميون تماما. وفي ورقةٍ حاذقةٍ قدّمها في ورشة عملٍ نظمتها وزارة التربية والتعليم العُمانية في إبريل/ نيسان 2010، جاء الباحث العُماني، شبر بن شرف الموسوي، رحمه الله، على دراسةٍ أجرتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل سابقا (التنمية الاجتماعية حاليا)، أفادت بأن 30% من الأسر العُمانية تستخدم لغاتٍ، ليس منها العربية، في التخاطب في المنازل. وأوضح أن بعض اللغات الآسيوية (الأوردو مثلا) أكثر استخداما في المعاملات اليومية في السلطنة، كما أن الإنكليزية أكثر استخداما، كتابةً ومحادثةً، في المؤسسات الرسمية والخاصة.
ولا تتوفر دراساتٌ وافيةٌ تحيط بالبيئات اللغوية في دول الخليج العربي الست، وتضيء على حقائق مفصلةٍ عن حال اللغة العربية في كل بلد، وإنْ عُقدت ملتقياتٌ ومؤتمراتٌ وندواتٌ عديدةٌ نبّهت إلى سوء هذا الحال، وإلى مخاطر استفحاله واستمراره، وطالبت باستراتيجياتٍ وخططٍ تنقذ اللغة العربية، إلا أن نقص البحوث المختصة والاستقصائية ما زال كبيرا في هذا الشأن. ويُؤتى على هذا الأمر، وفي البال أن هناك المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج (مقرّه في أبوظبي) لا تقع على أي جهدٍ له، وإن استضاف مؤتمرا متخصّصا، انتهى إلى توصياتٍ طيبةٍ، من قبيل مطالبة دول الخليج باعتماد اللغة العربية في جميع المراسلات في دوائر الدولة، غير أن صنّاع القرار في هذه الدول لم يكترثوا بهذا المركز، ولا بمؤتمراته وتوصياتها، تماما كما حال أرطالٍ من القرارات في البيانات الختامية لمؤتمرات القمة لقادة دول مجلس التعاون، ومنها قراراتٌ تخصُّ شؤونا تربوية وثقافية وتعليمية. ولقائلٍ أن يقول إن ثمّة ترفا ذهنيا لدى من يطالب هذه الاجتماعات بأي شيء، وهي التي لم تفلح في أي أمر، وحال مجلس التعاون، والانقسام الراهن فيه، ينطقُ بما لا مدعاة لكلامٍ كثير عنه.
وفي الوُسع أن يذهب واحدُنا إلى أن المرض الحاد الذي تُغالبه اللغة العربية يمكن احتسابُه من “المشتركات” الراهنة في دول مجلس التعاون الخليجي الست. وقد نادت فاعلياتٌ وشخصياتٌ  وهيئاتٌ كثيرةٌ في بعض هذه الدول بإصدار قوانين، تشتمل على عقوباتٍ، ومن شأنها أن تحمي اللغة العربية. وعلى الرغم من أن دولة الإمارات أكثر دول الخليج ضجيجا في تنظيم المؤتمرات المحلية والإقليمية التي تدعو إلى انتشال اللغة العربية من واقعها التعيس، وعلى الرغم من أن المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان) في الإمارات أوصى، في عام 2014، بإصدار قانونٍ اتحادي لحماية اللغة العربية، وعلى الرغم من قراراتٍ أصدرها مجلس الوزراء الإماراتي في عام 2008، تصبُّ في حماية العربية، إلا أن هذا القانون لم يصدر، ولم تشهد دولة الإمارات تشريعا شديد الوجوب يُساعد، ما أمكن، في إنقاذ اللغة العربية هناك.
من دون ضجيجٍ، ومن دون أي مقدماتٍ استعراضيةٍ ودعائية، أعلن في الدوحة، في 14 يناير/ كانون الثاني الحالي، عن “قانون بشأن حماية اللغة العربية” أصدره أمير قطر،  الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لتكون قطر الدولة الخليجية الأولى التي يُسنّ فيها قانونٌ، له قوته العقابية والإجرائية، ويعمل على إنقاذ اللغة العربية وحمايتها وصوْنها مما هي فيه. وقد استند القانون إلى المادة الأولى للدستور القطري، وهو يعدُّ تمتينا تشريعيا لقراراتٍ سابقةٍ للحكومة، تُلزم المؤسسات التربوية والتعليمية والأكاديمية والعلمية باستخدام العربية في مخاطباتها ومكاتباتها، إلا عند الضرورة. وقد بذلت المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية، وهي منظمةٌ مقرها في قطر، جهودا مقدّرةً في تهيئة مسوّدة مشروع القانون، والذي ناقشه مجلس الشورى لاحقا. وبحسب موقعها الإلكتروني، تسعى المنظمة إلى النهوض باللغة العربية عن طريق تفعيل المبادرات المتّسمة بالإبداع والتميز.
وعندما ينص القانون، في مواده الخمس عشرة، على إلزامٍ واضحٍ باللغة العربية في التسميات والمكاتبات والإعلانات والعلامات التجارية، و…، (مع جواز الكتابة بغيرها)، وعندما يتضمّن عقوباتٍ بغراماتٍ على من يُخالفه، تصل إلى خمسين ألف ريال قطري (حوالي 14 ألف دولار)، فإننا نكون أمام تشريعٍ هو الأول من نوعه في دول الخليج التي تعاني العربية فيها من وضعٍ مزرٍ. وبذلك، يحسُن الاحتفاء بهذه الخطوة التشريعية الشديدة الأهمية، والتي لم تُبادر إلى مثلها من الدول العربية سوى الأردن، في قانون مماثلٍ تم إقرارُه في عام 2016، ونصّ على غرامةٍ على من يُخالفه تصل إلى ثلاثة آلاف دينار أردني (4227 دولار). وهناك مطالباتٌ في مصر، تلحّ على إصدار قانون شاملٍ، يستكمل نواقص في قوانين سابقة، تتعلق بحماية اللغة العربية، صدر آخرُها في عام 2008، ويُلزم جميع الجهات بما يُصدره مجمع اللغة العربية لخدمة اللغة العربية وحمايتها. وقد تقدّم المجمع، في عام 2017، بمشروع قانون من 21 مادة، إلى مجلس الوزراء، تمهيدا إلى إحالته إلى مجلس النواب، وينص على معاقبة مخالفيه بالغرامة والحبس. وفي المغرب، ما زال مطروحا أمام البرلمان مشروع قانونٍ لحماية اللغة العربية، تقدّمت به الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في ديسمبر/ كانون الأول 2017، ولم يجر حسمُ أمره بعد. وفي العربية السعودية، حدث أن مجلس الشورى شكّل، في  2014، لجنةً خاصةً ناقشت مقترح أحد الأعضاء إصدار “نظام حماية اللغة العربية في المملكة”، غير أن الأخبار تاليا لم تأت على اعتماد هذا “النظام” وسريانه. وذلك فيما كانت وزارة التجارة والصناعة السعودية قد ألزمت المنشآت التجارية باستخدام اللغة العربية مع المستهلك، في قرارٍ لها بدأ تطبيقه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، ويتضمّن فرض غرامة تصل إلى مائة ألف ريال سعودي (27 ألف دولار) بحقّ المخالفين. وبذلك، باستثناء قطر والأردن (ومصر) لا قوانين في أي دولة عربية تحمي اللغة العربية، وإنْ جرى في سورية إصدار تعليماتٍ مشدّدة ٍ(ومفصّلة)، في قراراتٍ حكومية، بتوجيهات رئاسية، تعالج ما يمكن تسميتُه التلوث اللغوي الحاد، الحاضر في كل البلاد العربية، وتنتصر هذه القرارات بالطبع للغة العربية، واستخدامها في البلاد.
وفي العموم، تتوفر الدول العربية على قراراتٍ وتعليماتٍ متنوّعة في هذا الخصوص، متباينةٍ في تفاصيلها وإجراءاتها، مع العلم أن دساتير كل هذه الدول تنصّ على اللغة العربية لغةً رسميةً (أو أولى).. ولكن، من التقليديّ، والبديهي، أن يكرّر المرء أن العبرة هي في تنفيذ النصوص، والإلزام به، غير أن هذا ليس ملحوظا في دولنا العربية الزاهرة بشكلٍ كافٍ. والمأمولُ أن تكون دولة قطر نموذجا في إنزال قانونها الجديد، والذي يستحقّ تثمينا خاصا، في الواقع.
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق